Translate

Sunday, December 22, 2013

الدعوة السلفية في بلاد يوربا

بسم الله الرحمان الرحيم
الدعوة السلفية في بلاد يوربا
محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ تاج الدين الأدبي عبد الكريم حسبي الله
في مخيم جماعة تعاون المسلمين في بلدة إيوو ولاية أوشن
تاريخ:  4/ صفر/1433هـ   27/ ديسمبر/ 2011م

المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله. اللّهم صلّ وسلّم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وعلى جميع من حمل أو يحمل لواء الدعوة الإسلامية إلى يوم الدين.
أما بعد/ فإنّ الحديث عن الدعوة في بلاد يوربا والدعوة السلفية فيها بشكل خاص كالحديث عن تاريخ العلماء الذين ضحوا كل غال ونفيس, وعكفوا حياتهم كلها في تثبيت الدين الإسلامي في ديار قبيلة يوربى, والذين تحملُّوا المشقات المريرة في سبيل الدعوة الإسلامية حتى فتح الله علينا كما هو اليوم ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
وسنجمل المحاضرة في أربعة أمور:
أ- مفهوم الدعوة السلفية وأصولها ب- فجر الإسلام في بلاد يوربى وحال علمائها   ج- الدعوة السلفية في بلاد يوربى ومراحل تطورها والعلماء الذين حملوها   د- إنجازات العلماء السلفيين في بلاد يوربى.




أ. مفهوم الدعوة السلفية وأصولها:
أولا: السلف لغة واصطلاحا:
السلف في اللغة:
قال الراغب الأصفهاني: السلف : المتقدم, قال تعالى: فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين... ولفلان سلف كريم: آباء متقدمون[1].
وقال الفيروزآبادي: والسلف: من تقدمك من آبائك وقرابتك[2].
وقال ابن منظور في لسان العرب: والسلف أيضا من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل... ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين: السلف الصالح[3].
وفي الاصطلاح[4]: هم أهل القرون الثلاثة الخيرية التي جاء الثناء عليها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعد ذلك ناس يشهدون ولا يستشهدون ويأمنون ولا يؤتمنون ويكثر فيهم الكذب[5].
ثالثا: أصول الدعوة السلفية:
الدعوة السلفية هي الدعوة التي ترتكز على ما كان عليه السلف الصالح من الأقوال والأفعال والعقائد. ولها أصول وصفات تميزها عن غيرها من الدعوات الموجودة في ساحة العالم الإسلامي, فمن أخذ بها فهو سني سلفي, ويتسمى بهذا الاسم بنسبة لتمسكه بهذه الأصول.
الأصل الأول: الدعوة إلى التوحيد: إن من أهم ما تتميز به الدعوة السلفية هي الدعوة إلى العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها جميع الأنبياء والمرسلين, قال الله تعالى:ﭴ  ﭵ  ﭶ  ﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ  ﭼ   ﭽ  ﭾﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ   ﮆ  ﮇ  ﮈﮉ  ﮊ  ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ          ﮏ  ﮐ  ﮑ  ﮒ النحل: ٣٦  
        لقد مكث المصطفى صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو الناس إلى توحيد الله, ولم يأت الأمر بالصلوات الخمس إلا بعد عشر سنوات ولا الصوم ولا الزكاة  إلابعد خمس عشر سنة ولا الحج إلا بعد اثنين وعشرين سنة تقريبا. فهكذا تدرج النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته. فأية دعوة أخرّت الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى منتصف الأعمال الدعوية أو منتهاها فليست سلفية. وهذا سبب فشل كثير من الدعاة في ساحة الدعوة. وقد قال السلف: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.   
الأصل الثاني: التمسك بالكتاب والسنة:  الدعوة السلفية تختلف عن غيرها من الدعوات بالتمسك بالكتاب والسنة والدعوة إلى الأخذ بما فيهما قبل الرأي البشري. فهي لا تقبل أي فكرة تتصادم مع نصوص القرآن والحديث. فهي تحيي ما فيهما وتدعو إلى العمل بهما ومنابذة الآراء والتقاليد. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين. ثم قال صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض[6].
 يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو من أحيا الدعوة السلفية في عصره: لا تقلدني ولاتقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري, خذوا من أين أخذوا"[7] أي: من الكتاب والسنة.
ويتفرع على هذه الصفة- التمسك بالكتاب والسنة- الدعوة إلى التعلم والتعليم في مجال العلوم الشرعية المفيدة لأنه تكملة لهذه الصفة, فإنهم يرون أن العقيدة الصحيحة والدين القيم لا بد لها من العلم, حيث أن الله تبارك وتعالى علّق الإيمان بالعلم فقال تعالى: واعلم أنه لاإله إلا الله. وبوّب الإمام البخاري في صحيحه بابا أسماه: باب العلم قبل الإيمان والعلم. فأية دعوة تخلت من التشويق إلى التعلم والتعليم فليست سلفية. ولهذا فشا الجهل وظهر الغلو وبدا التقصير وانتشر الاختلاف وكلٌّ يدعي الصواب لنفسه, والقرد في عين أمه غزالٌ. 
الأصل الثالث: اتباع السلف في فهم النصوص:  الدعوة السلفية تدعو إلى الأخذ ببيانات الصحابة والتابعين ومن بعدهم في فهم الكتاب والسنة, فلا يستبدون برأيهم ولا يعتمدون على أفهامهم الخاصة, ذلك لأن الصحابة شهدوا التنزيل وأسبابه, وقد كان جبريل يأتي في صورة أحدهم, وكانوا أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غيرهم, ونقلوا العلم للتابعين ثم إلى تابعي التابعين, فالسلف أعرف الناس بالكتاب والسنة وأفضل هذه الأمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: خير هذه الأمة قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم[8]. 
الأصل الرابع: التصفية والتربية: والمراد بالتصفية هي تطهير الدين ومصادره من فساد المبطلين وزيادات الغاوين, فهي الاعتناء بالأحاديث الصحيحة ومجاهدة الأحاديث الضعيفة ومجانبتها عند الاستدلال في أمور الدين. فهي دعوة تحارب البدع وتحاول إزالتها كما هي أيضا تحاول إقامة السّنة حتى تكون حيّا في حياة الناس.
والتربية هي تعليم الناس هذا الدين الصحيح بعد تصفيته, ونشره خاليا من السموم التي دُسَّت فيه, ويكون الناس في دينهم على بصيرة.
فأية دعوة لا ترى البدعة بأسا ولا يرى الشر في نشر الأحاديث الموضوعة وإثبات أمور الدين بها فليست دعوة سلفية؛ لأن السلف لا يفعلون ذلك.

المبحث الثاني: فجر الإسلام في بلاد يوربى وحال العلماء فيها.
لا يمكن أن نحدّد تاريخ دخول الإسلام في بلاد يوربى؛ لأنه دخل عن طريق أفراد متاجرين,[9] ولم يكن حادثة مشهورة تقيّد بالتاريخ, وإنما يمكننا أن نقول بأن الإسلام كان موجودا في بلاد يوربى في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي[10], وذلك قبل جهاد عثمان بن فودي رحمه الله تعالى. ويؤيد هذا القول أن أول مسجد في بلاد يوربى كان سنة 1550م[11]بني في أويو إلي [12] يعني أويو الأصل.  
ويؤيد هذا القول أيضا ما ثبت في التاريخ أن أحمد بابا الشيخ من تبكوتو من مالي جاء إلى بلاد يوربى وأخبر عن الحالة التي أدرك عليها الإسلام في بلاد يوربى, وأنشد قائلا:
ولا عيب في يوربى سوى أن دينهم    كدين النصارى لا كدين محمد
وهذا أحمد رحمه الله تعالى توفي سنة 1640 ميلادية, وهذا يدل على أنه جاء إلى بلاد يوربى قبل هذا التاريخ مما يدل على أن الإسلام قد ثبت حينئذ في هذه البلاد[13].
ومن حيث أن الدعاة دخلوا أفرادا ولم تكن دعوتهم جهادا يفصل الحق من الباطل جاملوا المشركين الذين أدركوهم ورضوا بأن يتعلموا الدين جانبا بجانب مع التقاليد الجاهلية, ومما أدركنا في ذلك قول اليوروبى: لايمنع الإسلام (ويسمونه دين مالي) من أورو (عبادة صنم مشهور). ومن اعتراف أولئك المشركين بأولئك العلماء هو أنهم يدعونهم للدعاء صباح يوم التعييد بصنمهم ويذبحون لهم باسم الله؛ ليأكلوا هم وتلاميذهم من الذبيحة.
فكانوا يتكلون على أولئك المشركين في المأكل والملبس, ولاعجب فهم غرباء فرادى لا أهل لهم يتقوون بهم عند الجهاد ولا ملجأ لهم إلا ذلك, فغفر الله لنا ولهم.
وهكذا امتزجت التقاليد الباطلة مع الإسلام, ولا يمكن- بالنسبة لأصول الدعوة السلفية السابقة- أن نقول إن هذه الدعوة سلفية إلا بقدر يسير جدّا.



المبحث الثالث: السلفية في بلاد يوربى وعوامل تطورها والعلماء الذين حملوها.
إن الذي يمكن أن نقول إنه دعوة سلفية وقعت في بلاد يوربى في الآونة الأولى هي الدعوة التي دعت الناس إلى الرجوع إلى الدين الصحيح وتطبيق ما جاء من القرآن والأحاديث, وإحياء بعض ماورد في الكتاب والسنة بعد أن كان العلماء حينئذ يقرؤونه فقط ولا يعملون به.
 والتي واجهت العلماء الذين أدخلوا في الدين ما ليس منه, وحملت السلاح على أقاويلهم الباطلة وتقاليدهم الجاهلية التي ورثوها كابرا عن كابر حتى ظنوا أنها من الدين.
أولئك العلماء الذين دعو الناس إلى التعلم وبسطوا أنفسهم للتعليم بعد أن كان حكرا لأولاد العلماء لايتصدى له غيرهم, ولئن فعل فإنه يبقى لهم عبيدا ولأولادهم عقبهم ولا يستقل عالما يقول بكلامه أويقرأ بنفسه إلى أن يموت.
فهؤلاء هم الذين أخبروا بجواز العمامة لكل, وليس مما يختص به الأئمة والعلماء, وأن كشف المرأة وجهها حرام وأن الزي الشرعي للمرأة هو الحجاب وأن الشرائع الإسلامية للتطبيق كالعدة والميراث وحد الزنا, بعد أن كان العلماء يقرؤون هذه الأشياء فقط بلا تطبيق.
وأعلنوا بأن الاجتماع بعد الوفاة باسم الفداء بدعة وضلالة, وكان حينئذ – وإلى اليوم- تجارة للعلماء بل أُلَمَاء.
وفي حين كانت الحكومة والمسلمون الأثرياء كانوا يتاجرون بالربا باسم: التعاون(co-operative) ويؤيدهم على ذلك علماء يرتزقون بالتقرب إليهم أعلن بعض هؤلاء العلماء لعنة الله على من تعامل بالربا وزجروهم وكانوا حينئذ واحدا بين مئات بل ألوف من العلماء.
والدعوة السلفية في بلاد يوربى مرّت على مرحلتين مهمتين:
المرحلة الأولى: الدعوة السلفية في هذه المرحلة هي مقاومة للأباطيل والتقاليد الجاهلية التي انتشرت بين المسلمين, ومن مميزات الدعوة السلفية في هذه المرحلة أن الذين  قاموا بها كبار من العلماء. ولأنها في المرحلة البدائية لم يكن فيها من صفات الدعوة السلفية البيانات المشهورة اليوم حول عقيدة أهل السنة والجماعة, أو شرح تفاصيل العقيدة السلفية.
 والمرحلة الأولى هذه تمثل مرحلة الإعداد, وكأن بلاد يوربى حينئذ كالغابة الكثيفة التي يريد الفلاح أن يحرثها ويزرع فيها, فلا بد من إبادة الأشجار الكبيرة فيها وقطع عروقها المتعرقة, وقطع الأشجار المانعة التي تعوق دون بث الحبوب وزرعها, وكذلك فعل علماء للدعوة السلفية في بلاد يوربى, فلم يكن دعوة سلفية متصفة بجميع صفاتها المذكورة قبل قليل.
والذين سجل لنا التاريخ من العلماء في هذه المرحلة أربع:
أ‌-                 الشيخ عبد السلام بمديلي.
ب‌-           الشيخ عثمان لانسي.
ج‌-            الشيخ أسامة كوتا
د‌-               الشيخ عبد الباقي محمد إيوو
وعند الحديث عن كل من هؤلاء العلماء فسنتحدث عن الشيخ مرتضى عبد السلام في مكان شيخه عثمان لانسي لأمرين:
الأول: إنه التلميذ الذي أحيا دعوة شيخه بعد موتها وتشويهها, وأشعل نارها وزاد عليها وكان أكثر تأثيرا في البلاد من شيخه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثاني:إن الدعوة السلفية في المرحلة الثانية وهي مرحلة العصر الحديث كانت من جذور أعمال شيوخ منهم الشيخ مرتضى عبد السلام من حيث التعليم ونشر العلم وعلاقته هو وطلابه بالعالم الإسلامي في الدول العربية, والتي سببت معرفة العقيدة السلفية الصحيحة التي تروج بين أوساطنا اليوم, فهو أجدر بالذكر من شيخه في هذا المجال, رحم الله الجميع.
        وسنكتفي أيضا بذكر الشيخ عبد الباقي محمد ونستغني به عن ذكر الشيخ أسامة كوتا مؤسس جمعية إصلاح الدين لأمرين أيضا:
الأول: لأن الشيخ كوتا نفسه كان يقدم الشيخ عبد الباقي ويفضله على نفسه حتى لم يعرف الناس بعد أنه هو المؤسس. ولعلنا نقول بأن الشيخ عبد الباقي هو الذي حمل حملات الدعوة السلفية للجمعية, ولا حرج إن استغنينا بذكره عن ذكر غيره فالقرآن يكتفي بذكر الوجه نيابة عن جميع البدن.   
الثاني: لأن الشيخ عبد الباقي كان أكثر تأثيرا من الشيخ كوتا وأمضى أثرا منه, والآثار التي نرى اليوم للدعوة السلفية في بلدة إيوو كانت آثار الشيخ عبد الباقي رحمه الله تعالى.       
المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي كنا فيها اليوم, وفي هذه المرحلة تطورت الدعوة السلفية وحلت منزلتها الحقيقية, بعد أن مهد لها علماء سابقون, وجئنا ننظف الأرض للزرع ونتأسف من أعشاب قلائل, فكيف بالذين عملوا في الغابة حتى صارت موضع أنس وهيأوها للعمل؟ فمن شكرنا لهم أن نقدر جهودهم ونعترف بها, ولئن قلّ في عينك ما فعلوا فإنها أكبر مما تظن كما سترون بعد إن شاء الله تعالى.  
ونذكر فيما يلي بعضهم وأهم إنجازاتهم الدعوية على حسب ترتيب وفاتهم.

الأول: الشيخ عبد السلام بمديلي (ولد سنة1911م  وتوفي سنة1969م)
نشأته وتعلمه: ولد الشيخ عبد السلام بمديلي في أسرة مسيحية وأبوه بادا أوبا بي أولورن كوسي (ليس ملك مثل الله), لكن أخت أبيه (عمة الشيخ) وهي زينب "أبيـبي" قد أسلمت, ولِـوُدٍّ بينها وبين أبي الولود هذا جاءت يوم الثامن بعقيقة ومع علماء مسلمين ليسموه باسم اسلامي عبد السلام, ورضي أبوه بذلك. وكان اسمه بالكامل: عبد السلام بمديلي أجبولا بن أوبا بي أولورن كوسي[14].
بدأ تعلمه في جانب العلم الإنغليزي, وتخرج بالمرحلة الثانوية سنة 1927م وتميز فيه. ثم بعد ذلك خدم عمته زينب في دكان طعامها في أمنغن, ثم عمل عمل جامع الأموال الوديعة اليومية. وفي عام 1930م بدأ يتعلم القرآن عند الشيخ محمد بللو بدماصي ألي بي أوسو زوج عمته زينب. والعجب الذي حدث في تعلمه هو أنه لما وصل آية: ﭧ   ﭨ  ﭩ  ﭪ  بدأ يقرأ ما بقي حتى انتهى من سورة الفاتحة, ولما قرأ الحزب الثالث من القرآن قرأ ما بقي من القرآن.
ولما رأى شيخه نجابته ذهب به إلى شيخ كان أعلم منه وهو الشيخ يوسف أبجي من إلورن والذي استقر في إبادن حينذاك, وعنده تعلم العلوم الأخرى.
دعواته:
1-التعليم: لما انتقل الشيخ من عند شيخه واستقل بدأ الشيخ بالتعليم, فأسس الكُتّاب بقصد تفهيم الناس دينهم  وتبصيرهم, وبسط العلم للناس وعلّم صغيرهم وألح على كبيرهم وشجعهم بأن العلم ما فاتهم, فجاء الناس يتعلمون عنده تجارا وأصحاب الحرف, ومكث بعضهم عنده يتعلمون, ويسر لهم طريقة التعلم فنصحهم بأن يقيدوا المعاني بلغاتهم على رؤوس السطور, وصار الناس يتعلمون ويصيرون علماء في وقت قصير, بعد أن كان العلم حكرا على أبناء العلماء لايعلّمون غيرهم, ويجعلون من جاء إليهم من غير بيت العلم عبيدين لا يعلمون إلا كيفية الكتابة على اللوح وإحراق الأعشاب وطحنها, ثم لا يزال كذلك عبيدا لهم حتى الممات.
 ولم يقف عند حدود التعليم بل كان يشجع طلابه على التعليم وقول العلم مهما قلّ, ويرى الجاهل كمن لاشيء له, ويمنع طلابه من أن يغتروا بجمع المال, بل كان يمنع عطاء طالبه الذي لايهتم بالعلم ويقول: المال بلا علم منتن. وبذلك كثر تلاميذه وانتشروا في جميع ربوع بلاد نيجيريا.
    ولا نعرف اليوم قيمة هذه الفكرة إلا أولئك الذين عاشوا في ذلك الزمان وعرفوا ما حل بهم في سبيل طلب علم دينهم. ففكرة الشيخ بمديلي وطريقته في التعليم يعاكس ما شاع بين علماء البلاد, الذين كانوا لا يسمحون لمن دونهم من التلامذة وغيرهم أن يتكلم في حضرتهم, وكانوا يقولون: لا يصيح ابن الفيل إذا ما صاح الفيل. وأدى بهم هذا الحسد إلى أن يقطعوا أغلفة الكتب لئلا يعرف الطالب اسم الكتاب الذي تكلموا منه خشية ألا يشتريه ويتكلم مثلهم, فيتحرر من ربقة العبودية. وكان للشيخ بين أولئك العلماء أعداء كثيرون.
    ولا شك أن هذه الصفة التي اتصف بها الشيخ - التعلم والتعليم- من صفات الدعوة السلفية, وأن الشجاعة على قول العلم الحق في أي مكان من غير خوف عذاب ملك ولا استهزاء عبيد من سيمة إمام أهل السنة الذي أحيا الدعوة السلفية الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وجميعنا شهداء على أن هذه الشجاعة على قول العلم من البقيات التي تَبقّى من طلاب الشيخ بمديلي إلى اليوم, وإن كان بعضهم أساءوا استعماله, وتشجعوا على الجهل الباطل والبدع, فكانوا بئس خلف لخير سلف.
2- الدعوة: لم يكن الشيخ عبد السلام يرحمه الله تعالى مولعا بالتعليم فقط بل جمع معه الدعوة إلى الله تعالى, فأسس جماعة دعوية من طلابه أسماه: جماعة زمرة المؤمن بإشارة شيخه الذي يريد منه أن يتبرك بلقب من تتلمذ عليه وهو تاج المؤمن.
كان يعظ الناس ويدعوهم إلى الدين الصحيح, وكانت عمليته التعليمية ما أدت إلى إقامة مجالس الوعظ والذكر.
والحادثة التي سببت إقامته مجلس الوعظ هي أن له تلميذا اسمه أبوبكر "سَالْفَيْجِ", كان يعمل كاتبا في إحدى المحاكم الإنغليزية ثم يرجع إليه للتعلم.وكان يستحضرشيخه إلى بيته في حارة "إِيَاغَنْكُوا" في إبادن للاحتفال بليلة القدر ومولد النبي صلى الله عليه وسلم, وكان رجلا ثريا ذا مال. فأشار إلى الشيخ أن يقوم باحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في فناء بيته في أمنغن وأنه سيقوم بالنفقات التي يكلفها الاحتفال.
أعلن الشيخ للناس يوم المولد, فجاء الناس من كل واد وصوب, فخرج الشيخ تلك الليلة ينتظر هذا الرجل ليأتي بأشياء الاحتفال, و بدأ الشيخ يعظ الناس في انتظاره. لكن الرجل لم يأت, فحوله الشيخ إلى الوعظ تماما, وجعله في كل يوم السبت. وهكذا استقر الوعظ في عام 1939-1940م
ولم يحدد وعظه في فناء بيته فقط بل إن جميع المناسبات فرص للوعظ, وبيان الدين للناس. ومن الصفات التي يتميز به عند بيان أمور عارضه فيها علماء البلد هو أنه يقاضيهم إلى كتاب الله وسنة رسوله, وكان يقول: فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. ولا شك أن هذه الصفة من سيم دعوة السلفيين. ومن أهم ما يرتكز عليه وعظه ما يأتي:
أ- التعلم: كان يحث المسلمين على التعلم وأنه لا يفوت, وأن خير الناس من تعلم القرآن وعلمه, وأنه يجب عليهم أن يتعلموا في أمور دينهم لأنفسهم حتى لا يغرهم ذلك العلماء المبطلون وكان ينشد بلغة اليوروبى:
             بييكو انتهو بييبانتهو    كيهو تووكي كوونتنهو
                         كيهو تووكي كوونتنهو
        يعني: إن غرك اللاغوسي أو غرك من كان في أيبا فإن علمك لا يغرك.
 ويرغب الناس في التعلم استشهادا بسورة النحل آية 43,  سورة الزمر آية 9 وسورة المجادلة آية 11, وسورة فاطر آية 29, وبحديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم.
        ويحث المسلمين على أن يجعلوا أولادهم في المدرسة العربية الإسلامية بدل المدرسة الغربية الإنغليزية؛ لأنها حينذاك وسيلة التنصير والإبعاد عن دين الله تعالى.
ب- بيان بعض الأحكام الفقهية ككيفية الوضوء, ومسائل السجود القبلي والسجود البعدي وصلاة الجنازة وعدة طلاق المرأة وغيرها.
ج - الحجاب: يعظ الشيخ بمديلي الناس على أن الزي الشرعي للمرأة هو الحجاب, ويحثهم على حجاب نسائهم وبناتهم تبعا لأوامر الله تعالى في القرآن الكريم في سورة النور وسورة الأحزاب, وسنعود عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
د- أركان الإسلام الخمسة: كان يبين في مجالس وعظه أركان الإسلام وتفاصيلها.
هـ- التلبس بالزي الإسلامي: ويحث المسلمين على لبس العمامة وإعفاء اللحية, وسنعود على هذا فيما بعد- إن شاء الله تعالى. 
3- سنن أحياها الشيخ عبد السلام بمديلي ودعا إليها: لقد أحيا الشيخ بمديلي أشياء لم يعرف الناس أنها من الدين. منها:
أ- حجاب المرأة المسلمة: لا يعرف في تاريخ الإسلام في نيجيريا من حجب نساءه ودعا إليه قبل الشيخ عبد السلام بمديلي. إلا أنّ الشيخ عثمان لانسي دعا إلى انتقاب المرأة فقط مع إظهار ثيابها. أما الحجاب بشكل عام فقد أحياه الله تعالى على يدّ الشيخ عبد السلام بمديلي رحمه الله تعالى.
        ومما أثر في سبب ذلك أنّ له تلميذا من مواليد إجيبو مودي اسمه موسى, وكان الشيخ يشرح آية الحجاب ويفسرها يوما بحضرة هذا التلميذ. أذعن التلميذ لأمر الله فاتفق على أن يحجب امرأتيه. أبتا في أول الأمر ولما رأتا عزمه أذعنت احداهما وانتقبت وأبت الأخرى فطلّقَها. وقد كان الشيخ بمديلي يقول بأن زوج المنتقب أولى بالإمامة في الصلاة من غيره, فمنذ ذلك اليوم كان هذا التلميذ موسى هو الذي يؤم الشيخ في الصلاة.
        كان الشيخ يتفكر في كيف يحجب زوجته سفرة أبنكي أم ملكة, وكان هذا التلميذ يتحرج من إمامته على شيخه, ورأى المصلحة في أن يشجعه ويلح عليه. بعد قليل مرض الشيخ مرضا شديدًا, ومن خوفه من أن يموت على هذه الحالة- سفور امرأته- عزم على أن يخبر والدي زوجته باحتجابها, ومن شدة مرضه لم يستطع أن يمشي على رجليه بل أمر أحد طلابه اسمه يوسف "أَوْكُنْ أَوْلا أَيَيْ بَامِي" أن يحمله على ظهره إلى موقف السيارة إلى إجيبو. وصل إلى أسرة زوجته مع العانة والتعب ولم يقدّروا معاناته من أجل استئذانهم بل أبوا, وقد سبقته إليهم زوجته. فأخبر زوجته أن تذهب إلى "أودو أون" الموضع الذي تذهب إليه الزوجة لعدة الطلاق وتأهب الشيخ للرجوع إلى إبادن. لم تلبث الزوجة أن تبعت زوجها, ولما وصلا إبادن اتفقتا على يوم دعوة الناس للحجاب, وكانوا يدعون الناس للدعاء على الحجاب ويعلنونه.
        لم يعرف الشيخ وطلابه الكيفية الحقيقية للحجاب, وكانوا كذلك حتى رأى أحد تلاميذه اسمه يوسف أَوْكُنْ أَوْلا أَيَيْ بَامِي امرأة محتجبة في طريقه من بيته في إسالي أوسن إلى مدرسة شيخه.كانت هذه المرأة عربية لا يعرفها من الناس أحد. تطوف تسأل الناس التبرعات بالمال الذي يوصلها إلى بلدها, فذهب بها إلى شيخه لما عرف منه من الجود ونصر الدين. لما وصلا إليه سألها عن اسم ما لبست فقالت إنه حجاب, وبذلك عرف كيفية الحجاب. وكان تاريخ هذا اليوم1/12/ 1959م.  أرسل الشيخ إلى بعض الخياط من تلاميذه اسمهما: الحاج حمزة أَوْلُوَاكَيمِي من بيت "إِلَيْ أَسَا" والحاج حمزة من بيت "أَيَارَا غَاغَا". وعلمتهما كيفية خياطة الحجاب, وخاطت لهم واحدًا بالإبرة, ولبثت عند الشيخ أياما. ويُؤْثَرُ أنها إنما فقدت يوما لا أحد عرف أين ذهبت.
        وأول من لبست الحجاب بصورته الحقيقية أم سكينة طيبة أينكي زوجة الحاج مصطفى أَدَيْدَيْجِ, وهي ابنة الشيخ جمعة في حارة "إِلَيْ أَوْ هَوْ", فكانت أولى من لبس الحجاب في جميع نيجيريا.     
        ولقد واجه الشيخ في سبيل هذا التطبيق حروبا كثيرة, خاصة من قبل مشركي صنم تَنَكُّرٍ ويسمى أييغن, وسرُّه رجل يدّعي أنه من السماء يتنكر بلباس شركية مصبغة بسحر, ويطوف البلاد. وعيد صنم التنكر مشهور يخاف الناس مواجهته.
        قاوم أولئك المشركون تطبيق الحجاب فقالوا: إنه تشبه بهم. فحاربوا المحتجبات ومزقوا عليهن الحجاب. ففي سنة 1963م أرسل عالم اسمه بوصاري إلى ابنته في البيت أن تأتي إليه في دكانه. لبست المرأة الحجاب وفي طريقها لقي رجلا اسمه "فَاجَوبِي" فضربها ومزق عليها الحجاب لأنها تتشابه بصنم تنكر. هذا واحد من الذين أرسلهم المشركون ليقوموا بهذه المهمة.
        تعلقت المرأة بثوب هذا الرجل وأرسلت إلى أبيها, أرسل أبوها بعض الرجال ليأتوا بهما كما أرسل أيضا إلى موضع الشرطة فلما جاءا حبست الشرطة "فَاجَوبِي" وعندهم أفشى أسرار المشركين وكيدهم وعرفت الشرطة أسماء رؤساءهم.
         لما سمع المشركون بهذا قاموا ليخلصوا الرجل قبل أن يصل الأمر إلى الشرطة لكن دون الجدوى. اعتقلت الشرطة تلك الرؤساء ومثلوا بهم جميعا في المحكمة, حكم القاضي بعقاب أولئك المشركين وكلفهم غرامة هائلة, ساعدهم في دفع الغرامة ملك إبادن يومئذ لأنه من المؤيدين لهم على هذا الفساد. ومنذ ذلك الوقت توقفوا من إيذاء المحتجبات. ومما يؤثر أن الشيخ بمديلي ذهب إليهم وهم في الاعتقال يدعوهم إلى الدين الإسلامي, ثم بعد هذه الواقعة أسلم كثير منهم.
ب- تطبيق الشريعة الإسلامية: كان الشيخ يحرص على العمل بما جاء من الكتاب والسنة, ولئن كان الناس لا يعرفون للزنا عقوبة فلقد أحيى الشيخ حدّ الزنا وكان يجلد من زنى من أتباعه مائة جلدة.
        عرفت حكومة الفدرالية هذا التطبيق بوسيلة أناس حاسدين له معادين له, وقاومته الحكومة على ذلك وقاضته, وجعلوا يوم المحكمة الأخيرة للقضاء على الشيخ بما يستحقه من العقوبة في لاغوس عاصمة نيجيريا حينذاك. أشفق المحبون على الشيخ لكنه قال بكل ثقة بربه وتوكل عليه: إن ذلك اليوم لا يتم أبدا. فما لبث أن وقع الانقلاب العسكري واختطفت الحكومة من تافا باليوا وقتل هو وبعض وزرائه.
ج- إحياء عدة الطلاق: كان المسلمون حينئذ يطلقون أزواجهم عن طريق المحكمة البلدية أو عن سبيل العرف, لكن الشيخ بمديلي أحيى طريقة ثلاث حيض التي وردت في القرآن والسنة.
د- إعفاء اللحية: شاع لدى العلماء حينذاك أن يحلقوا لحاهم, ومن أجل ما قرأ الشيخ بمديلي من الأحاديث حول اللحية بدأ يطبقه ويدعو الناس إليه. وكان يكره حلق اللحية أشد الكراهة وكان ينشد بلغة اليوربى:
        كَوْوَيْ لَوَنِي كَوْ دَرُنْبَنْسِيْ أَوْسَينُ كُلُبَو
                                              كَوْوَيْ لاَوَنِي كَوْ دَرُنْبَنْسِيْ أَوْسَينُ كُلُبَو
المعنى: إنه لم يتعمم ولم يعف لحيته فكان ذقنه أبترا
هـ- العمامة: فبعد أن كانت العمامة حكرا ووراثة بين العلماء, لا أحد يتعمم إلا بتعميمهم له والإذن عليه, أطلق بمديلي طلابه وشجعهم على التعمم, فرأى علماء البلد هذا تعاليا عليهم وتكبرا ومنافسة, فاستأجروا الطغاة الفسقة لأن يضربوا طلاب بمديلي حيثما ثقفوا ورأوا عليهم العمامة.
كان رحمه الله تعالى مثل خير في الدعوة السلفية فرحم الله شيخنا بمديلي وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الثاني: الشيخ مرتضى عبد السلام (ولد سنة 1921م  وتوفي سنة 2007م)
أولا-نشأته وتعلمه:
ولد الشيخ مرتضى عبد السلام في بيت علم عريق, وكانت أسرته تعرف بالدين والصلاح. وكان والده عبد السلام وجده زبير عالمين جليلين, وأخوه الشقيق الأكبر مدثر عبد السلام عالم باللغة العربية يقرض الأشعار وينقدها في حين شذّ العلم الجيد, وهو زيادة على ذلك فقيه عصره بلغ القمة في الفقه والفتاوى يرجع إليه في العويصات, وكانت له منزلة مرموقة في العلم في جميع بلاد يوربى[15].
في هذا البيت نشأ الشيخ مرتضى عبد السلام. تتلمذ في بدء الطلب على أبيه عبد السلام, ثم على شيخ والده إيالودي, ثم على الشيخ عثمان لانسي رحمهم الله تعالى, واشتهر تتلمذه على الشيخ عثمان لانسي وتأثر به أكثر من غيره من شيوخه, ويرى الناس العجب في احترامه لشيخه هذا ولأبنائه.
برع الشيخ في العلم وامتاز في الفقه والتفسير حتى صار عالما عالميا يشهد لفضله في العلم العجم وحتى العرب, وسنلمح مدى تعرقه في العلم من قصيدته البائية التي سنذكر بعد إن شاء الله تعالى, ولم يستغن طلابه الذين تخرجوا في الجامعات العربية عن التتلمذ عليه بعد الرجوع.
ومما يدل على عالميته أن عينته رابطة العالم الإسلامي ومقرها في مكة مندوبا لها في غرب نيجيريا, وتولى رئاسة علماء غرب نيجيريا في رابطة الأئمة والعلماء.
يتميز الشيخ بين معاصريه من العلماء بالقناعة والورع والزهد عن الدنيا وعلو الهمة وعزة النفس. وكان شديدًا على الحق لايردعه عنه شيء, كما كان ليّنا لأصحاب الحقوق عنده, وحين كان العلماء يعتمدون على عطاءات الأثرياء اقتنع بما يرزقه الله تعالى.
نشأ الشيخ صوفيا ولم يكن يدعو إليها أو يناقش الناس عليها, بل إنما يفعلها ولا يلزم طلابه بها. لكنه راجع في أواخر حياته وأعلن رجوعه, وكان ذلك كسرا لظهور الصوفيين في إبادن, وبتركه الصوفية صار من أهل السنة تماما.
ثانيا- دعوته وإنجازاته: كان الشيخ يعقد مجلس التفسير في رمضان يرد فيه على أباطيل العلماء ويحث الناس على دين الله تعالى. وكان يُوجّه نصائحه إلى العلماء ويزجرهم عن البدع المختلفة التي سنذكر بعد إن شاء الله تعالى. إنه من أعلام الدعوة السلفية في عصره, فأحيا ما أماته بعض الناس من السنة, وكان من إنكاره على علماء عصره بدعة الاحتفال بالوفاة وسموها فداءًا. وكان يتشدد في الإنكار عليهم في حين ليس له ثانيا في هذه الدعوة من العلماء, وفي حين كان للعلماء هيبة كبيرة من أجل ما عندهم من السحر وأسماء الجن والطلاسم, وإن الذي ينكر على أولئك العلماء يلق بأسا شديدًا بعد لحظات من إنكاره.
ومن الجدير بالذكر أن حصل له في سبيل دعوته ما يكفي عُشْر معشاره لأن يردعه عنها كما ردع أمثاله أقل من ذلك, لقد مات من أبنائه حوالي ثلاثين في حين جهره بدعواته, ووقع في كارثة سيارة ظن الناس أنه لا ينجو من جرحها, لكن ذلك لم يزده إلاقوة وجلدا ويزيده تغليظا بكلماته نحو أولئك العلماء المبطلين, وفي الأخير ظهر عليهم فكأنهم لم يكونوا بالأمس.
وكان لا يجامل أحدا في دين الله ولا يخاف أحدا إلا الله تعالى, وكانت دعوته ترتكز على الأمور الآتية:
أ-التعلم: لم يؤثر في تاريخ علماء يوربى عالما كان مولعا بالتعليم منقطعا عن كل شيء لأجله في وقت الضراء والترف مثل الشيخ مرتضى عبد السلام, فكان لا يشهد الحفلات كما كان علماء عصره يفعلون إلا الجنازة من أجل الأجر العظيم فيها ووعظ الناس وتوجيهم ولا يجلس فيها أيضا, وانكب على التعليم وأغدق عليه كل ما أوتي من نفس ونفيس, يحب ويبغض من أجل العلم, ويكتسب الرجل الكرامة لديه مهما حقر شأنه ورثت هيئته إذا كان عالما كما يستحق الإهانة وعدم الاهتمام إذا كان ممن يتهاون بشأن التعلم.
ومن أجل نشر التعليم الديني وتوسيع نطاقه وحفظه من أيدي الأعداء من المستعمرين وأبناء البلد المسيحين أسّس مدرسة عربية سنة 1958م أسماها المعهد العربي النيجيري, عاد منهلا للعلم والثقافة العربية يأتي إليه الناس من أقطار غرب إفريقيا. وثقّف التعليم ومجّدَه حتى تربّى عليه وتتلمذ في مدرسته أعداءه من العلماء وأولادهم, فما لبث أن ذاع صيته في البلاد وفي خارج نيجيريا حتى رأت العرب أن يساعدوا طلبته بالمنح الدراسية, وبخروج طلابه إلى السعودية ومصر وغيرهما جاءت الدعوة السلفية بصفاتها التامة إلى بلاد يوربى. فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.  
ب- وجوب انتقاب المرأة: كان يرى مثل ما يرى شيخه أن الواجب على المرأة الانتقاب ولا حرج إن بدا ثيابها وزينتها الأخرى, لكنه - فيما يروى عنه - مال أخيرا إلى الحجاب الشرعي واستحسنه, لكن ضعف الشيخوخة لم يعن على تنفيذه. وكان يتشدد فيه ويخاصم أحباءه عليه, ومن شدة تمسكه به أن كان الناس يرون الحجاب له كالركن السادس بعد أركان الإسلام الخمسة, وكان الشيخ محتفا بالأثرياء ولم يزل يلح عليهم حتى حجبوا نساءهم كلهم.
ج- النهي عن الربا: كان الشيخ لا يسكت على منكر حدث ولا يصبر عليه, بل يعلن به ويحذر الناس منه ويُفَنِّدُ أقاويل العلماء المؤيدين لذلك المنكر. ومن ذلك ما شاع في ذلك الزمان بين طبقات الأثرياء في عصره وأعانهم عليه علماء يتملقون عليهم, ألا وهو الربا بصورة سموها: التعاون.(كوبريتف) حذر الشيخ منه ولم يخف في الله لومة لائم.
د- تحذير العلماء من إهانة العلم والدين:  شاع بين العلماء حينذاك وإلى يومنا هذا أن يطوفوا على أبواب الأثرياء الكفار وقراءة القرآن لهم للدعاء مقابل ثمن دراهم, ويحدثونهم بما سيحدث لهم من أمور الغيب. ومن أجلهم أنشد هذه القصيدة سنة 1955م وأعلن فيها أن صنعتهم تخالف الكتاب والسنة والعقل السليم:
لك الحمد يامن منه كل المواهب           ومن شكره يزداد خير المطالب
صلاة وتسليم يدومان سرمــدا          على المصطفى والآل أولي المناقب
فيا قوم هل من منكر تعرفـونه              كما سنه في الدين أولوا المناصب
ذوو الأمر فينا من إمام ورهـطه            الذين ارتقوا في العلم أولي المراتب
فذاك أمور ليس في الشرع أصلها            ولا في الفتاوى بين أهل المذاهب
وأنكرها العقل السليم لأنهــا              تجـرح دين الله بين الأجانـب
ومن بينهـا أمران شرٌّ كلاهما               فأولـه يجري بكل المناكــب
قراءتهم – يا صاح- تنزيل ربنا              لدى مشرك حرصا لنيل الرغائب
وفي كل جمعة يقرؤون كتـابه               لدى الأمراء المشركين الأرانـب
أضعتم كتاب الله في رفعـه إلى               مكان به الأنجاس من كل جانب
وليس لهم بطش فهـل من تقية!              فكلـهم في العصر نار الحباخب
ونترك من يكفرك لفظ قنوتهـم               وأفعالهـم هذي لشـر المعائب
وثانيه كانوا يخبرون أميرهــم               حوادث ما في العام كل النوائب
ويبذل أموالا كما يفرضــونها              على رغـمه دفعا لتلك المصائب
فهل يعلمون الغيب والله عنـده               مفـاتحه من علـم كل العواقب
مسيحيهم لما  تولى إمـــارة               أزاح عن الإسلام بعض المثالـب
بأن قال إني لا أحب كتابكـم                مسيـحيـتي تأباه  ياللعجائـب
فتوبوا عن الأمرين حمدًا لربنـا               فمـن عاد يومـا تاه السباسـب
       فمن مرتضى عبد السلام نجارها              فصـل على المختار رأس الكتائب
      فعدتها عشرون تعلو بصبرها                  على مائتين سهمهـا  غير صائـب

فرحم الله شيخنا مرتضى عبد السلام وتغمده في رحمته الواسعة إنه غفور رحيم.





[1] المفردات في غريب القرآن ص 244
[2] القاموس المحيط (3/ 158)
[3]  لسان العرب ( 9/158 فما بعدها)
[4]  ينظر: السلفية للشيخ ناصر الدين الألباني ص 146
[5] أخرجه الترمذي (3859)
[6]  أخرجه مالك مرسلا والحاكم مسندًا وصححه ووافقه الألباني
[7]  صحيح فقه السنة   (1/41  )
[8]  رواه مسلم رقم  2533
[9] أزهار الربا في أخبار بلاد يوربى لمصطفى زغلول السنوسي  ص 163
[10]  المصدر السابق  
[11] المصدر السابق ص 164
[12] الإسلام في نيجيريا للشيخ آدم عبد الله الإلوري ص 34
[13] الكشف والبيان لمجلوب أهل السودان لأحمد بابا التمبكتي 
[14]  موجز تاريخ حياة شيخ الإسلام ص 12
[15] يراجع في ذلك مرآة الناظرين لمرتضى أبي بكر ص 62 وص 72 وص 87